محمد جواد مغنية
300
في ظلال نهج البلاغة
بالابتداء والخبر محذوف أي كائن منك ، وكراهية مفعول من أجله للفعل أو للخبر المحذوف ، وأما قولكم فمبتدأ ، والخبر محذوف أي أتأخر عن القتال . والمصدر من أن تلحق منصوب بنزع الخافض المحذوف . المعنى : كان من دأب الإمام ( ع ) أن لا يتعجل الحرب حتى ولو التقى الجمعان . . وقد كان خصومه ينضحون جيشه بالنبل ، فيحتمل ويصبر ، ويأمر أصحابه بالصبر ، قال ابن أبي الحديد وغيره من الشارحين : ان أمير المؤمنين ( ع ) بعد ما ملك الماء على أصحاب معاوية في صفين ، وسقاهم منه مكث أياما لا يأمر بالحرب ، ولما سئم أصحاب الإمام الانتظار والمطاولة قال له البعض : يقولون : انك تكره الحرب كراهية الموت ، أو انك في شك من قتال أهل الشام ، فقال : ( أما قولكم : أكل ذلك كراهية الموت فو اللَّه ما أبالي دخلت إلى الموت ، أو خرج الموت إليّ ) . علي يكره الموت وهل في سيرته ما يشعر بذلك ألا تدل أفعاله قبل أقواله أنه آنس بالموت من الطفل بمحالب أمه وهل لعلي من أمنية في حياته غير الاستشهاد في سبيل اللَّه والحق ومن أقواله : « ان الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ، ولا يعجزه الهارب ، ان أكرم الموت القتل ، والذي نفس علي بن أبي طالب بيده لألف ضربة بسيف أهون علي من ميتة على فراش في غير طاعة اللَّه » . والكل يعلمون ان كلام الإمام هو نفسه بالذات حتى كأنه خلق منه ، أو خلقا معا . ( وما قولكم شكا في أهل الشام ) . ان الإمام على يقين من ضلال أهل الشام ، ولكن هذا لا يدعوه إلى اليأس منهم ، فكم من فرج جاء بعد الضيق وضال عرف مواقع خطأه ، وفاسد آب إلى رشده ( فو اللَّه ما دفعت الحرب يوما - أي أخرتها وسوّفتها - الا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي ، وتعشو إلى ضوئي ) . ان الحرب وسيلة لدفع الشر ، وليست غاية في نفسها ، واذن فعلى المحارب أن لا يبادر إليها إلا بعد اليأس ، والإمام لا يؤخر الحرب لحظة إلا مع الأمل في أن يهتدي البعض بنوره وضيائه ، وهل الروية والتثبت في الدماء خطأ وجريمة . ومن أقواله : « لا تيأسوا من مدبر ، فإن المدبر عسى أن تزل به